القِران العاشر (موقع الكاتب حسين رحيم)
رقيم الطوفان
وقف قبالته بطوله الذي
تجاوز الثلاثين ذراعا ورأسه الكبير ووجهه الدائري ، الوسيم وجبين عريضة على عينين
قد تكحلتا بعمق وشعر ازرق طويل مفروق على الجانبين قد خضب خصلات منه بالحناء تكسر نازلا
حتى خمس اذرع ولحية مستطيلة سوداء لامعة ومقصوصة بعناية ، مزينة بقطع اللازورد
المقدس والعقيق والزمرد . وثوب طويل ذي اهداب ، وشال اخضر بحاشية مذهبة ملقى على
كتفه اليسرى ، اما اليمنى فمكشوفة تماما ، في قدميه نعلان ضخمان من جلد جاموس
بشرائط تلتاف على ساقيه . صاح فيه فتعبق الجو برائحة العنبر :
- كو – آيي .. يا شملو-م هيئ الواحك الطينية واجعلها ناعمة ورطبة ،
هيئ اقلامك من قصب البردي وابرها جيدا . من بين اسنان الخوف التي اطبقت على لسانه
خرج سؤال :
- من انت ايها
السيد العظيم ؟؟ . جاءه الرد بذاك الصوت الذي زاده هلعا واندهاشا فتعبق الجو
برائحة العنبر :
- انا (زيو
سدرا) ابن شروباك الملك ابن اوبار – توتو .. جئتك من المكان الذي تستيقظ الشمس فيه
.. من ارض العطور الارز والزاج والعنبر .. من دلمون الخالدة .. لقد اختارك السيد
الهواء والاجواء والرياح والعواصف وصاحب القدر وراعي الملوك والاباطرة (انليل) ،
فتهيأ من الان تهيأ .. تهيأ .. وضع كفه على رأس كو-آيي فاصبحت كثمرة برتقالة في
كفه .. استيقظ على عجل ، تناول كسرة خبز وخرج الى مشغله .. سيصرف جميع التجار وكل
من اتفق معه على المبادلات التجارية والاختام الاسطوانية ، ثم عجل خطاه وذهب الى
معبد (انليل) وقدم طقوس العبادة والشكر ، ثم عاد .. اغلق على نفسه الباب .. وضع
اللوح الطيني امامه ، امسك بالقصبة وحفر الرأس المدبب في الطين الطري الناعم
(حينو-ايلو-اويلم)
.. حين الالهة مثل البشر ، كانوا
تعامدت الشمس على الارض
وكان صمت الحكيم بانتظار اللحظة ، وعندها فقط انبجس من افاق الجهات الاربع غيم
رمادي اخذ يصعد ويصعد دائرة إشعاع الشمس، ولونه يزداد كمدا وهو يتقدم دائرا حول
نفسه كجزة كبش عملاق حتى اصبح بلون القهوة الناضجة وغطى قرص الشمس وكان كبطن امراة
حبلى بمياه الالهة اخذ يزل وينزل حتى لامس اسطح منازل (شروباك) ، وكان الناس ،
رجالا ونساء واطفالا هناك يلمسون الغيم الداكن فيبدو تحت اصابعهم كالصوف المندى ..
ومن مكان خارج يطل على المدينة . كان (زيو سدرا) على سفينته (ماكوركور) – منقذة
الحياة – ينظر الى (شروباك) ويحزن . عرف ان الموعد قد حان فأسلم دفة السفينة الى
الملاح (بوزور-اموري) ودخل الغرفة وعندئذ جيء بالقير والزفت وسدت الفتحات والمزاغل
وكان (ادد) قد بدأ يرعد في داخل الغيمة التي تحولت الى اللون الامغر ، فجأة مزق
نصل من ضوء ازرق حاد الغيمة الكامدة من الافق الى الافق وحزها كرغيف خبز . لقد كان
مخلب (زو) طائر الصاعقة وسارق الواح القدر من انليل ، انشطر الغيم وظهرت السماء
الرائقة لكن عاد والتحم مجددا .
من هنا .. من وراء البوابة
السابعة للعالم السفلي .. مسكن الايكيكي ، حيث يقبع هناك كل ذي رهبة وجبروت
استيقظت ريح الجنوب تململت وتمطت ثم انطلقت مأمورة بغضب (انليل) على ذوي الرؤوس
السود الذين ارقه صخبهم وضجيجهم ، وبأمر من (ايرش كيكال) فتحت افواه المقابر
واطلقت زفيرها (الهابي) رماد الموت الذي دار دورتين ثم ترسب على الرؤوس اولئك
ابناء (مما انانا العظيمة) فانعقف خوفهم واستكانوا منتظرين ، خرجت ريح الجنوب يسبقها
عويل طويل طويل وحزين غطمى ارض سومر كلها ثم اندفع بقوة الف الف اعصار نحو الشمال
، الشمال كله ، مالت اشجار النخيل حتى قبل سعفها وجه الارض ثم قلعت من جذورها
وطارت اخذه معها كل شجر مثمر ، ثم سمع الناس المأخوذون بعصف الريح المدمر ثغاء
ورغاء وخوارا وهديرا يأتيها من اعلى ، فنظروا بعين مرعوبة الى اعلاهم كان جمع من
ثيران وجواميس وخنازير وحمير وحشيين يطير فوق رؤوسهم متقلبا ومتطوحا باتجاه الشمال
.. الشمال كله ثم سحبت ريح الجنوب كل ما على الارض من رقم طينية واوان فخارية
ونحاسية وخوذ من ذهب وتيجان مرصعة بالياقوت وصولجانات ملكية ومحاريث واختام
اسطوانية وكهنة برؤوس حمر ، وشارات ملكية وقيثارات ومعابد ومزارات مقدسة آخذة
اياهم معها باتجاه الشمال كل الشمال .. فقط وحدهم ذوي الرؤوس السوداء من بقي ولم
تأخذه الريح ذلك كي يشهد الاتي من الساعات والايام .
وكانت شواهد الحضارة تطير
وتطير وتطير .. حتى حطت على سفح جبل (نيسير) بسلام .
توقف لحظة .. توقف
كو-آيي/الناسخ الصغير الذي وهبه (زيو سدرا) (اتراخاسيس) الواسع في الحكمة فضيلة
تدوين الطوفان ، وهاهو قد انهى الرقيم الاول وذيله :
كتب في اليوم الحادي والعشرين
من شهر نيسان في السنة التي صنع فيها الملك (امي-صادوقا) تمثالا لنفسه (يمثله)
حاملا جديا عل صدره وان تمثاله .. منتصرا .
اتكأكو-ايا على كرسيه من
قصب البردي وتناول جرعة كبيرة من كوز فخاري ، صعد الدم الى رأسه فانتعش بفعل
النبيذ من كروم (اشنونا) وابتسم واضعا يديه الملوثتين بالطين خلف رأسه :
- سأصبح كاتب
الملك .. ساصبح كاتب الملك .. ورنت ضحكته في الغرفة الطينية . ثم حمل الرقيم الندي
في باحة الدار . عاد وهيأ اللوح الثاني وكتب :
السطر 417
حتى
ان الالهة ذعرو لهول الطوفان
فاخذوا
يتراجعون الى خلف حتى وصلوا
سماء
الإله (انو) فاستكانوا هناك
وكأنهم
كلاب رابضة بمحاذاة الجدار
وانزل الموكل الشرور
والغضب مطر الهلاك في الليل .. واعلن " آيا " عن فتح الساعة المائية
وملئها كذلك مزلاج البحر وعارضته . لقد حلت الليلة السابعة واعلن عن مجيء الطوفان
، اقتلع الاله "ايراكال" دعائم السد للمياه السفلى وانطلق الاله
"ننورتا" ليجعل المياه تطغى فوق السدود ورفع (الانوناكي) المشاعل في
عتمة ذلك النهار وفتحت (ايرش كيكال) (جنزير) العالم السفلي عندها فار تنور الماء
من افواه المقابر وارتفع بطنا دجلة والفرات .
ثم نزلت اول قطرة من ذاك
الغيم فكانت بحجم كف فلاح من ارض (لكش) واعقبها انهمار مروع للمطر اصبح اعمدة
بللورية توصل الارض بالغيم (القهوائي) .. وارتفع الماء .. ارتفع حتى غطى اربعين
ذراعا من (الماركوركور) فتململت وكان طول ضلعها (120) ذراعا بطوابقها السبعة
الحاوية على بذرة كل المخلوقات الحية .
يا
جدار استمع اليّ
يا
جدار القصب انتبه الى كلماتي
هدم
بيتك وابن سفينة
انبذ
المال وانقذ النفس
وضع كو-ايا القصبة جانبا
واتكأ على ظهر الكرسي اغلق عينه اليمنى ونظر باليسرى بعيدا – بعيدا الى حيث يقرأ
الملك – امي – صادوقا – ما دونه وبعد تغيير كل شيء سيترك (الايدوبا) ويرتفع عن
مرتبة (الشملو) ولن يعطي دروسا لصبيان في تعلم اللغة السومرية والكتابة المسمارية
.. ابتسم ، فجأة تفر من مكانه كطائر الكركي خارجا الى الباحة الامامية لداره ، لقد
عاش يتيما تحت رعاية كهنة معبد (انليل) ، فأبوه كان محاربا في جند الملك وقتل في الحرب
(الكوتيين) على (شروباك) وامه رمته في المعبد وهربت مع عشيقها الى (اشور) وتعلم
الكتابة المسمارية بعد ان ادخلوه (الايدوبا) على نفقة المعبد واختص بعدها في تدوين
المبادلات التجارية وعمل الاختام الاسطوانية والرقي والتعاويذ على الرغم من امتلاء
ذاكرته بطيس من كلام ميلت رغبته باتجاه الترانيم والمراتي وتدوين الحوادث لكن لم
يدر في باله ولو لحظة ان ينال حظوة الهية كهذه وفتح عينيه على اتساعهما وتوهجتا
أيمكن ان اكون المختار من قبل الالهة للتدوين على اولئك العظام ، (ايتانا) الرجل
الذي صعد الى السماء والذي رسخ كل البلدان والذي .. لم ينجب ولدا . واينمركار
ولوكال نبدا في كفاحهما مع (اراتا) و(دوموزي) ملك اول شعيرة زواج مقدس .. الاله
المتوفي وكلكامش الباحث عن الخلود وصديقه انكيدو ولوكال انيموندو ملك الجهات
الاربع ، الذي شيد .. هذا ما يريده .. استدار وقد بدأ النبيذ المعتق يعمل في رأسه
نظر الى غرفته كمن يريد إزاحة شيء ثقيل عن رأسه ، دخل .. كانت الرقم المجففة
والمفخورة والالواح التعليمية مرصوفة على ارفف خشبية بالاضافة الى انواع اخرى
كروية وقرصية ومجسمة وهرمية وباشكال ادمية وحيوانية مدون عليها نصوص سحرية
وتعويذية والمسامير الفخارية لاحجار اسس المعابد والمواشير الفخارية المكعبة ..
امسك اول لوح طيني ورماه خارجا واخذ جرعة اخرى من النبيذ ، وتناول رقيما قرصيا
ورماه فتكسر وهكذا كانت الرقم والالواح تخرج طائرة من الغرفة وصوت كو-آيي يرتل
تشكراته لالهة حتى فرغ منها . خرج الى الباحة وطفق يرقص ويغني ويضحك صائحا:
- انا – كو –
آيي – ننكرسو قلب الفضة .. اشكركم جميعا .. شكر لك يا انليل يا عظيم الالهة وملك
البلاد جميعا . وانت يا نابو ، كاتب الالهة المحتكن (ويا نيدابا) كاتبة الجميع
وزوجك (خاني) سيد الرقيم المختوم واله الكتابة .
وشكرا لك يا (زيو سدرا)
اتراخاسيس الواسع الحكمة الذي احبك انليل وزوجته ننليل وابنهما سن (القمر) على
انقاذك الحياة من الطوفان وضموك الى مجلسهما فعشت رغيدا خالدا في (دلمون) العظيمة
ارض النداوة حيث لا جوع ولا عطش ولا كبر .. شكر .. شكرا .. هاهاهاها .. واخذ يرقص
ويرقص .. ويرقص حتى سقط على الارض ونام .
تشابك الجميع ، ريح الجنوب
العظيمة ، المطر الغليظ ، فوران الماء من العالم السفلي وارتفع الماء .. ارتفع
مغطيا المنخفضات والمرتفعات والبيوت والزقورات والمعابد و (التومال) حتى وصل قمم
الجبال التي تبعد عن شروباك مسيرة شهر فاصبحت (ارض سومر) سطحا مستويا واحدا يبدأ
ملاصقا لقمم الجبال وينتهي عند حافة الخليج بعمق مئات الاذرع . وكانت
(الماركوركور) تتطوع من موج بارتفاع مئتي ذراع بالطفايات عليها من جثث للبشر
والحيوانات والعربات التي بدت كبثور سود على جسد الطوفان الاسمر تظهر وتختفي .
وزيو سدرا مستكين في غرفته مكسور القلب يتقيأ المرارات .. وكانت سبعة نهارات وسبع
ليال انحرف فيها مسار التواريخ ليبدأ من نقطة الطوفان وتغير وجه الحضارة بكل
الروايات سومرية وبابلية واشورية وهندية وفارسية .. سبع غطى فيها الطوفان ارض
السواد .. وماكوركور – الفلك السومرية تسير صاعدة نحو الشمال الشمال كله وهي تحمل
كل الكائنات.. نواة البدايات وبذرة الحضارات دائما ، حتى وصلت سقف العراق عندها مد
جبل (نيسير) ذراعه وقبض عليها .. الجد الاكبر (لبيرة مكرون) ذلك الشيخ الاسماعيلي
العتيق .. بقي (نيسير) قابضا على السفينة ستة ايام ، في اليوم السابع فتح (زيو
سدرا) كوة فيها فادخل (اوتو) حزمة من ضوئه على وجهه ، عندها خرج وسجد وبكى . ثم
اطلق الحمامة لكنها عادت واطلق السنونو لكنه عاد ثم اخرج الغراب واطلقه فأكل وحام
ونعق ولم يعد .. وعرف ان جلدة الارض بانت .. فخرج من السفينة بعد اربعة عشر يوما من
دخولها ، وسكب الماء المقدس على قمة الجبل ونصب سبعة قدور بعد ان كوم تحتها القصب
وخشب الارز والاس فشم الالهة الرائحة .
فتهافتوا
كالذباب فوق القربان
وبعد
ان اكلوا القربان
وقفت
الالهة (ننتو) لتوجه اليهم الاتهام
وكانت لحظة ندم صبغ ارواح
الالهة بالحزن فانكمشت خجلى / جائعة / حزينة وهي تشاهد الجثث الطفايات على حافات
الانهر والاهوار كالفراشات و (الاكلاك) او صغار السمك المتعفن وكانت (ننتو) عشتار
، سيد الجهات الاربع قد افردت شعرها الازرق وهي توتول كالثكول .
و
أسفاه لقد تحولت تلك الايام
الى
الطين
لانني
نطقت بالشر في مجلس الالهة
لقد بدأ كو آيي بالرقيم
الثالث .. لقد اصبحت ذاكراته ساعة رملية عليه ان يسابقها بالتدوين لاخر الوصايا
التي بلغها الاله انليل الى آلهة النسل والخصب (ننتو) لمنع تكاثر البشر.
ليكن
صنف ثالث بين الناس
ليكن
بين الناس نسوة تلد ونسوة لا تلد
لكين
بين الناس شيطانة (باشيشتو)
خاطفة
الاطفال من احضان الامهات
ثم
اجعلي من النسوة محرمات وبهذا تتوقف الولادات
وانهى كو – آيي الرقيم
الثالث وذيله باسمه – الناسخ الصغير … وانتظر
رقيم
المؤلف
اذهب
يا كو-آيي اذهب
ايها
النقي – ننكرسو / قلب الفضة
عسى
انه تحظى بمقابلة الملك امي – صادوقا
عسى
ان يقرأ تدوينك .. ان يقرأك
عسى
ان يفهمك
عسى
ان يرفعك من (شملو-م) الى كاتب الملك
ايها
القلب النقي
عسى
ان يصدق رؤياك – رؤيتك
و
.. عسى ايها الشاعر الذي
املي
عليه خرابا لم يره
عسى
.. ان تبقى شاعرا