القِران العاشر (موقع الكاتب حسين رحيم)

 

 

 

منطق الحشرة

 

 

 

 


فتح الفتى عينيه فرأى حوله كما هائلا منهم قد احاطوا به دائرة اخذت تضيق عليه .. كانوا لكثرتهم قد شكلوا سمكا ارتفع عن الارض نصف قدم .. صراصر وخنافس وام اربع واربعين ونمل كبير بكلابيب فولاذية وعناكب سود وحمر ومرقطة وعقارب صفر وسود يتقطر السم من زبابها وفرس النبي وانواع اخرى لم يشاهدها من قبل ، وبرغبة قوية في التخلص من الكابوس فتح عيناه صارخا فوجدهما قرب رأسه اباه وامه التي كانت تضع منديلا مبللا على جبهته قال اباه بخجل وخوف :

- كيف تشعر الان .

- اشعر ببرد في اضلعي

- دثريه اكثر .. فلا تطرد الحمى سوى سخونة اشد منها .

- جعلت فداك يا بني .. قبلته وهي تمسح دمعة محتبسة في ماقيها . لكن الفتى نظر في عيني امه وقال برعب :

- لقد كانوا حولي .. كثير منهم .. يتحركون باستمرار .. كنت اعرف انهم في النهاية سيقتربون مني ويصعدون على جسدي ويثقبونه ثم يدخلون فيه ، كنت ارى ذلك من حركة افواههم ذات الكلاليب والتي تنفتح وتنغلق باستمرارية ومن لوامسهم الباردة ومسابيرهم التي تدخل الاجسام وتتحسسها وتعرفها .. لقد فهمت ، كانوا يريدونني حاضنة لبيوضهم .. كان يخرج منهم طنين يرتفع وينخفض مع صرير يتداخل فيه.. ربما كانوا يتحدثون .. هل تتحدث الحشرات يا ابي .. قال الاب بصوت جعله طبيعيا :

- كل مخلوقات الله تتحدث وتتفاهم فيما بينها ، المهم دع عنك هذه الكوابيس ، ان هي الا يومين وتذهب عنك هذه الحمى ثم تعود الى مدرستك ورفاقك ، ونظر الى زوجته ، سرى بين اعنيها سيال الحقيقة التي لا تخطيء .. لقد حان موعده . صاح الفتى بصوت ضعيف .

- لا اريد النوم .. لا اريد النوم .. سأراهم مجددا .. لكنه في النهاية اغمض عينيه . لقد كان الثالث والاخير من اولاده مكملا بذلك سلسلة لعنة الاعمى خادم الضريح في تلك المنطقة النائية حين حل جد الفتى المهرب ولص الماشية ، ضيفا عليه في ذلك المساء فوجده وامامه كوز ماء وماعون فارغين . وعندما جلس امامه بسمل الاعمى ومد يده فأمتلأ الكوز بماء رائق على الفور والماعون بطعام شهي اكلا وشربا والرجل مدهوش وسعيد بهذه الغنيمة .. فقد كان الماعون يتملئ مجددا حال افراغه .. ولان للسوء امارة كانت راسخة في ضميره لذلك لم يرضه هذا الميلان في الحصول على الطعام والذي تعوده بالتعب وسهر الليالي والحذر والخوف والمراقبة لذلك صاح :

- كفى .. توقف عن اطعامي كائنا من تكون ، ولا يعنيك رغبتي فأنا لن اشبع ولن اسكت ، لكن الماعون كان يمتلئ مع الكوز حال انتهائه والاعمى ينظر اليه مبتسما حتى غضب بشدة فامسك بهما وضربهما بالقبر بقوة فتقنتا .. تجهم وجه الاعمى واكفهر . عرف الرجل انه فعل امرا جللا .. نهض بعجالة وغادر .. وصوت الاعمى يلحق به :

- اذهب .. لا بارك الله بك .. لن يصل نسلك مبلغ الرجال ابدا و .. لم يسمع بقية ما قاله لانه كان قد ابتعد كثيرا ، يعود الى اهله ويستقر ويتزوج محاولا نسيان ذلك ويترك (كار) اللصوصية فيستقر .. بعد اشهر تجنب زوجته مولودهما الاول .. طفل جميل يزيد من حبه للحياة واستقراره ثم نسيان الماضي بكليته يبكر الفتى لصبح فتى وسيما لكنه يصاب بحمة ويبدأ بالهذيان والحديث عن حشرات تحيط به وترغب بالدخول الى جسده .. ثم يموت ، بعد اعوام يكون الاب والام جالسين قرب رأس الثاني وهو يحدثهما بنفس الموضوع .. هكذا يعاد المشهد للمرة الثالثة.. عندها يتيقن الرجل من الامر ، يأخذ معه عجلا ويذهب الى الضريح ليذبحه ويوزع لحمه على الفقراء وابناء السبيل .. وعندما يسأل عن الاعمى ينكرون بطنها بذكر جديد وجميل بعد ولادته يكبر بسرعة يحلو بعيني ابويه الخائفين ، الحزينين ، كلما رأياه ، ولان معرفة حجم الفواجع والتحسس بما تسببه من مرارة والم كان شيئا ادهى واكبر من منطق التغاضي والتقبل بالامر .. لذلك اعتزل الجميع واتخذ لنفسه غرفة لايرى فيها احدا .. كان خلالها يفكر ويفكر .. حتى جاءته الومضة التي هدته الى حل ما بعده حل .. و .. نفذه على الفور صباحا دخلت عليه زوجته فوجدت امامها جثته معلقة بالسقف .. تمر الايام والأشهر والأعوام .. يكبر الفتى عابرا تلك المرحلة ويصبح شابا ذكيا جدا لدرجة النبوغ ويتدرج في مراحله الدراسية ليصل مستوا عال في تخصص على الحشرات .. ثم يتزوج . وبعد سنه تحمل زوجته .. ويأتيهما طفل يكبر حتى الخامسة ثم يموت معيدا ذاك المشهد بحديثه  ويتكرر الامر مع الثاني والثالث . لذلك يقرر الاب التوقف عن الانجاب بعدما سمع من امه عن اباه وما لحق به . وتمر السنوات على الاب الثاني المنهك بالاسئلة التي كانت تحاول وضعه في مكانه الصحيح من تراجيديا الاب والاحفاد فهو نتاج جريرة لم يقترفها مدفوع ثمنها سلفا ومقبل على اثم لا علاقة له به ، لذلك فهو واسطة عقد لم يكن له يد في تشكيله وبالتالي لاحق له بالتلذذ او التعذب به ، اذن عليه الابتعاد والاختفاء . ثم يقرر مع نفسه اليوم الاخير فيأخذ معه زوجته العجوز ويدوران في المدينة كمطاف نهائي ، وهما يحاولان عبور الشارع المكتظ بالسيارات ، يصادفهما اعمى مسن ويطلب منها المساعدة . فيمسك الرجل الاعمى بيده ويعبر الثلاثة . في منتصف الشارع يقف الاعمى ، يمد يده الى بطن العجوز ويطبطب عليها مبتسما ثم يواصل السير والرجل مدهوش وغاضب لهذا التصرف الغريب ثم عند الرصيف يقف الاعمى مرة اخرى يرفع وجهه المجدود بعينيه الخاليتين من البؤبؤ ويخاطبها :

- اذهبا الى البيت وناما سوية .. انتما بحاجة الى النوم .. لقد انتهى كل شيء .

عندما دخل الرجل البيت احس برغبة قوية للنوم ورأى في عيني زوجته المنهكة وميضا غريبا .. تمددا على السرير ، احتضنها لاول مرة منذ سنوات عديدة . فتفجرت في داخله رغبة ذاك الشاب الذي التقاها اول مرة . احس بحرارة دم اخر تمور في جسده العتيق وتأتي افعالا عجيبة ، لقد ايقظ النائم واسرى الحياة في المفاصل ما بين العظام وانسجة العضلات ، وعادت العصبونات لتعمل وتعطي اشارات عن الما حول بدقة وطعم كبيرين .. انه استطعام جديد للحياة .. وناما .

صباحا ، كأي شابين قفزا من سريرهما وهما يضحكان غير مصدقين .. ما الذي حدث من اين جاء النهر الذي روى ارضهما البور واجرى فيها الخصب والنماء بعد جدب دام سنين .. اتجها الى المرآة ونظرا .. كانت التجاعيد كما هي وبياض الشعر هو هو .. لكنهما يعرفان بوجود جسد اخر خلف هذه القشرة العجوز .. جسد فتى ، مترع بدفق الشباب .

وكانت زوجته تمد على بطنها .. ان شيئا ما يلبط في الداخل ضحك الرجل وقبلها .. وكانت اياما بعدد اشهر الحمل فتضع مولودا ابن تسعة ايام ، اخاذ الجمال .. ثقيل الوزن ، يبتسم دوما .

ونما بسرعة غريبة .. كان شهره يعادل عاما على الارض لذلك بعد عام اصبح بعمر اثنتي عشر سنة وله قوة النمل وذكاء النحل واستبصار وتلباثية العنكبوت وشراسة العقرب وطاقة الخنفس .. كان الصبي يسرع في عمره حتى بلغ سني والديه وذلك باعوام قليلة .. فاصبح الثلاثة بعمر واحد .. هو الستون لكن كان فيه براءة الطفولة ودفق الشبيبة وقوة الرجولة ونضج الكهول وحكمة الشيخوخة عدا ان ابنهما كنا يمتاز بطاقات غير طبيعية وفي هذا حديث عما فعله من امور عجيبة وما اتاه من قدرات لا قبل للبشر بها قد يرد في مقام منفصل . لكن الاب العجوز الفتي لم ينس امرا مر سماعا في خضم الحديث عن ابيه وبقي لصيقا بذاكرته لا يفارقه وهو ما الذي قاله الاعمى لجده ولم يسمعه .. و .. ما الذي اطفأ لعنة الاعمى وحولهما الى هذه الكائنات الفتية ، الخفيفة في اخريات عمريهما .. وما الذي .. وهكذا تساؤلات تعقبها اخرى ، قد يحظى باجوبتها وقد لا لتنضم الى ركام الاسئلة في مكب ذاكرة التاريخ في امور عجز او تعاجر الانسان عن القبول بها او تقبلها وليس فهمها .. ومن هذا المعطف .. التقبل .. خرج المنطق والمعقول والمتعارف عليه والاليف الناتج الطبيعي لبلادة الخيال وكسل العقل من هنا .. منطلق اخر للحياة والاشياء منطق تصنعه هذه الكائنات الدقيقة الهامشية حياتيا ، الافقية مسيرة .. الجبارة فعالا حيث لا حدود بين المحسوس والخيال والبصر والبصيرة والرؤية والرؤى وذلك حين يحدث ذلك التماس الكهربائي بيننا وبينهم ولو في …

 

 

 

 

الرئيسية
Free Web Hosting