القِران العاشر (موقع الكاتب حسين
رحيم)
الذي هو أنا أكثر مني ..
تمهيد :
إلى صديقيّ الرائعين .. نيقولاي وخروني .. ايامنا معا .. كنا سوية ..
صداقتنا التي مدت اذرعة الحب لعمق سبعين عاما .. ويزيد .
معك نيقولاي .. تذكرت ذلك
، قرية (ديكانكا) وبيوتها المرصوفة بالقرميد الاحمر وعسلها الملون بماء الشمس
وعصير الذهب ودنان الخمور بلونها الاصفر وصديقك (القندلفت) وفمه الكمثري ، صنبور
الحكايا .. سترة ابليس الحمراء التي باعها لمراب يهودي ، وسحرة بانوف زرقاء معقوفة
وقنزحات خضر في مقدمة رؤوسهم .. اخبرني لم كان عجائز القرية يلقبونك بمربي النحل
ذي الشعر الاحمر رغم ان شعرك لم يكن احمر ولم تكن مربيا للنحل .. هل كنت اجلس
قبالتك ارقابك وانت تنمسج اولى خيوط معطف ذاك الحالم الطيار .. اكا اكاييفتش حين
حلق عاليا فوق الجسر الخشبي وخلفه يهفهف معطف مثقل بالاف القلوب المعطوبة التي
ختلت في افيائه ..
معك يا خورخي ..
ايها المقلد العظيم ، في
مكتبتك في بوينس ايرس ، كنا نعلب سوية الاف الكتب في ادمغة الرفوف وعندما جاءك
الاخر وانت في كامبريدج جالسا على احد المقاعد التي تطل على نهر تشارلز في شباط من
عام 1969 وتلاوت ذراعاكما معا على ما سيكون هو .. لكنني تدخلت كالعادة وفضضت
الاشتباك ، لانني عرفت بانك ستخونني اجمل خيانة في العالم مفارقا اياي لتصبح خورخي
لويس بورخس كما فعلها قبلك صديقي الاخر وخانني ليصبح نيقولاي كوكول لذلك ساخونكما
بدوري .. سأفعل .. وافعل ..
لا ادري من اين ابدأ وكيف
، لكن ما اذكره يا صديقي انني كنت جالسا في مقهى بشارع الدواسة اقرأ مذكراتي كتاجر
افلست ذاكرته فاخذ يفتش في دفتره القديم وعندما وصلت إلى اليوم الذي يقول فيه :
الجمعة 30 اذار 1973 ..
قرأت الاتي .. بعد مسير طويل . توجهت نحو موقف الباص .. ولاني كنت متعبا فلم اقف
كشأن الشبان في مواقف الباصات .. على مبعدة مني جسلت امرأة بوحه ممصوص ونهايات
مدببة عند الانف والحنك والشفة . كانت تحاول اضفاء مسحة من الوقار والكياسة على
مرآها وذلك من خلال افتعال تقطيبة خفيفة هي اقرب إلى العبوس ما بين عينيها .. إلى يسارها شاب يرتدي زيا انتشر هذه الايام .. ينجبس من عينيه شيء من
الخوف والتهيب حين ينظر إلى المراة .. في
الطرف الاخر يقابلهما شاب ضجر وحزين وايضا كان خائفا و .. ولا ادري كيف .. اما ما
اثار انتباهي فان الثلاثة لم تبد لاحدهم علاقة ما بالاخر لكنهم كانوا يتبادلون بضع
كلمات ثم يعودون إلى صمتهم
ونظراتهم القلقة .. الجامدة . لا ادري .. وايضا .. كان هناك صغير يلعب وسطهم ،
فجأة امسك هذا الصغير بحجر وأسقطه بقوة على مجرى اسن قرب الرصيف امامنا فطار نثار
من المياه القذرة على وجه المراة .. شتمت الصغير بتقزز .. ضحك الشاب الخائف وبصق
الشاب الضجر الحزين بعدها قالت المراة .
سياتي الشتاء .. نهضوا على
اثرها جميعا مغادرين والصغير يركض خلفهم دون ان يعنيهم ذلك .. بعدها جاءت امرأة
وفتاة مع صغير قبيح الوجه يرتدي (دشداشة) بيضاء ناصعة ينجرح وجلبة كانتا تنادياته
(دختور) .. (دختور) وهو ينط وسطهما كفرخ شمبانزي فجأة اطل رجل بشع الوجه والهيأة
واخذ يتبادل النظرات مع المرأة مبتسما ببشاعة فتجيبه بابتسامة ابشع.. احتفى الصغير
فجأة .. وكنت اول من شاهده ممددا في الجدول الاسن دون حراك أو نأمة منه والبياض الناصع لدشداشته قد اخذ هيأة الماء فتغير حالها
.. نهضت الفتاة وحملت الصبي نزعت (الدشداشة) عنه ورمتها بعيدا بعد ان مسحت جسده
المتغضن ..
صاح الرجل ذو الوجه البشع
..
تاكسي .. جاءت سيارة ،
تكلم مع سائقها بخفوت ثم فتح الباب الخلفي وركبوا جميعا تاركين الصبي العاري ، ثم
عاد الرجل ذو الوجه البشع وحمل الصبي بفرح وهو يصيح ..
دختور .. دختور .. وغادروا
!!
وانا اقرأ .. فجأة كأني في
مكان آمن .. صعد من قصر ذاكرتي وطفح من رأسي مغطيا جسدي بكليته .. كأي عودة حقيقية
لشيء حميم سلت مني بغفلة لكني عرفت ان مرد ذلك هو رؤيتي لجندي يسير في الطرف الاخر
من الشارع قد علق على كتفه الايمن حقيبة من المشمع الاصفر ، تهتز بتناغم مع حركة
عجيزته اثناء سيره المتعجل وكان الحب والحنين يسبقهما انشداه وانشداد بالحقيبة
وعيناي لا تحيدان عنهما وكنت اهم بمعاودة القراءة لولا ان زاح الحنين برقصة فكشف
لي ذلك و .. ياه .. لقد عرفتها انها حقيبتي التي اسقطها البغل من على ظهره ونحن
نصعد مقتربين من قمة (جبل بيرس) كان حجمها يتضاءل وهي تنحدر في ذلك الغور العميق
متخمة بكنز من الاشياء التي كانت ستوفر لي متعة لشهر أو اقل : كيس من (الكليجة) والمعكرونة دحسته امي في قعر الحقيبة ،
رواية الاخوة كرامازوف زوج من الجواريب الصوفية لشتاء الجبل / ادوات حلاقة مع
خاولي .. الان وبعد سبعة وعشرين عاما ما زال الم مغارز تلك المرارة التي خلفها
فقدان كنزي .. من ارض ذاكرتي القرعاء والتي جردتها مواشي التكرار والرتابة روضها
..
نهضت مسرعا باتجاهه ناديته
، استدار .. كان شابا من اوائل العشرينات .. تبينت ملامحه ، يا الهي ايعقل هذا ،
انه وجهي ، اعرفه جيدا .. اما هو فقد بوغت ايضا لكن وكأنه فهم شيئا ابتسم وتقدم ،
صافحني وقبلني قائلا :
اخي .. اخي .. دهشت لذلك
.. قلت له ..
ماذا اقول ؟ .. و .. جاءني
صوت مترع ببراءة وعذوبة لماض كبير في قلبي ..
اخي .. اخي محمد غريب ، ما
بك ، هل نسيت .. لقد عرفت انه يقصد شقيقي الكبير .. اجبته بتردد .
اعذرني يا بني .. فذاكرتي
قد مست حصانا عجوزا في سباق التذكر ..
من انت ؟ وجاءني صوته من
ذاكرة القصر الطيب .
انا .. انا .. اخوك حسين
..
حسين ؟ .. أي حسين
حسين رحيم .. وانا في
طريقي للاتحاق بوحدتي العسكرية .. يالرنين ذلك الصوت (يالجنوني) .. سريعا امسكت
بيده متجها إلى المقهى وانا اردد مع نفسي
.. اذن هل ساكون شبيها باخي محمد غريب حين اكبر ..
جلسنا ، طلبت شايا واعطيته
سيكارة ، جاءني صوته مرتبكا ومعتذرا كالعادة ..
تذكرت انني لم اكن اعرف
التدخين وقتها ..
من يمنعني من شتم هذا
الافاق خورخي الذي حول لعنة الزمان إلى عصفور من نار
وطيره باتجاهي ..
ابتدرني هو بالاسئلة عن
امي واشقائي وشقيقاتي ان كان حدث شيئا لهم .. ماذا اقول.. يا له من رعب ولكي اتخلص
منه ومن اللعبة كلها اختصرت الكثير من اللوبان ومناورات الكلام ورميت جملتي كسهم أو شق في اضلعه ..
اسمع لا حاجة لما تقول ..
انا لست اخاك .. اجابني بخجلي ودهشتي نفسيهما اللذين غيرتها الايام ..
اذن من انت ؟ وضعت كفي على
كتفيه .
انا هو انت يا مغفل ..
نظرت في وجهه فاصطبغ بتلك الحيرة التي لا حيرة مثلها في العالم حيرتي التي غيرها
التاريخ الشخصي .. صكوك ادانة الماضي الذي طلى براءتها وعفويتها بطبقة سميكة من
جلد براق للاخرين وجعله اسود بعيني .. لا ادري كان على احدنا ان ياكل الطعم ويستمر
مع الفخ حتى النهاية .. على احدنا ان يكون داخل اللعبة كي يكون الاخر خارجها وهكذا
تتحقق موازنة الحالم والافقي .. ولانه كان متراجعا وخائفا .. من التصديق فكان علي
ان اخذ المبادرة نظرت في عينيه وقلت :
اسمع يا .. سأثبت لك ما
تقول .. بيتكم في المنصور وغرفتك في سطح الدار ولونها احمر من الداخل واصدقاؤك : ع
و ص و ز و ز و ش و س و .. و .. وحقيبتك هذه فيها كليجة ومعكرونة ورواية الاخوة
كرامازوف و .. ستسقط من اعلى الجبل .. سنفقدها وتحمل معك مرارة الفقدان طويلا جدا
.. و .. كنثيث مطر في كانون الموصل .. ياه لكم هو جريح / مريح هذا الحكي وبمرارة
خجلي قلت له :
ستسقط منك حقائب كثيرة ..
حقائب غبية / متخمة بالعزيز والنفيس من قلبك وتغادرك إلى الابد ..
وبكيت .. وضعت رأسي على
كتفه كما لم ابك من قبل .. مد يده ومسد على وجهي الاربعيني .. احسست كان سكينة
مطلسمة كشطت عنه سبعا وعشرين طبقة من اعوام غطت على أي نامة من عبث البراءة وريعان
السذاجة .. وطفولتي المستعارة قصدا فاصبح ثقيلا .. ثقيلا .. في ابتسامته وغضبه
وحزنه .. وقال لي :
اريد ان احسب عدد شعرات
البيض في رأسك .
بل احسب ما تبقى من الشعر
الاسود .. انا اعرف ما تريد .. لا حاجة بك لذلك .. لاني اريد ارتداءك كي ابدأ من
جديد وانقذ ما يمكن انقاذه .. تجهمي وتقطيبي وذلك لحزن الذي يمرغ الساذج ..
يا الهي .. هل ساكون شاعرا
حين اكبر ..
كلا .. لكنك ستشتغل معصرة
للقلوب والدموع .. و .. إلى هنا قررت
التوقف .. لكنه باصرار الحالم الذي صدق هذياناته المنطقية امسك بذيل معطفي وانهمر
من فمه كم هائل من ثليجات اسئلة غطتني على الفور وعلمتني نشوة التذكر والتنكر ..
لكني صمت كالعادة .. ماذا
ساقول ونحن اثنان رمانا وواحد مكانا ولكن لا بأس لتمض في طريقك وليمتلئ بكل ما هو
ضدك ولتعش كما انت لا كما هم لانك ستصلني حتما .. وساكتبك يوما فهكذا شاء من شاء
وهكذا ساكون ..
اذهب يا ولدي .. اذهب لقد
كنت امزح معك .. فانا لا اعرف أدرت ظهري وعفته سائرا وهامسا : ولن أعرفك .. ولكي
اتاكد بان سيد اللعبة ما زال مقنعا أو مجهولا وبان
علينا أن نأكل الطعم دائما كي تحوينا الفخاخ والمكائد .. اكملت قراءة يومياتي وكان
الخظ المضطرب يقول قبل 27 عاما ..
وانا ذاهب للالتحاق بوحدتي
العسكرية بعد انتهاء اجازتي التقيت رجلا قد غطى معظم رأسه الشيب .. حين تحدث
ارعبني واخرسني ثم عافني .