القِران العاشر (موقع الكاتب حسين رحيم)

 

 

 

 

 

الفــــارس

 

 

 

 

عقرب الساعة بين الثالثة والنصف والرابعة (يا للأرق.. غير مهم) وكان ثمة ضباب شاحب يذوب داخل الغرفة المعتمة فيشكل ظلالات هلامية كبيرة وأشباحا تظهر وتختفي متفجرة .. دفع ساقه أماما فتمطى جسده مفترشا السرير .. استرخى ورأسه قد واجه السقف.. هذا حذاء نسوي .. هذا طائر ميت .. وهذا ، انه غريب حقا فهو يبدو كطفل ذي شارب وان اغمض عينيه قليلا يتخذ شكلا لا يستطيع فهمه .. انه غير مريح قال مع نفسه فجأة شعر بانكماش خفي يمسك رأسه وقدميه فاخذ يغوص إلى منحدر بلا قعر .. (يجب أن لا أتحرك وألا ستذهب مني نشوة الانحدار) تاه عن الجهات الأربعة فلم يدري أين رأسه .. من بعيد حرك رتابة السكون صوت مقرئ جاف .. كان يتيه في هذه اللحظات ، لا يعرف أتسحبه وراءا أم إلى أمام لكنه كان يعشقها .. (يجب أن امتلك يقينا بشرعيتها وإلا ما فائدة هذا التناغم الانسيابي الخارج من رأسي) .. الصلاة خير من النوم ..تثاءب مطلقا زفرة خفيفة .. وسحب يده من بين ساقيه مزحفا إياها فوق صدره الدافئ بتمهل وأصابعه تبرم من شعيرات صدره الطويلة .. ارتفعت أصابعه تتلمس عظم الترقوة الذي احدث منخفضا صغيرا بينه وبين الكتف.. من أعماق ذاكرته البعيدة عادت الألوان إلى صور ومرئيات فحركتها روأه مستهيضة نكهتها الأولى .. ذلك الصيف .. رائحة النهر تنسيه أشياء كثيرة ليتملكه تحفز بالنزول فيه فيهجم عليه أقرانه ويمسكونه فيضع أحدهم حفنة من الحصو الناعم في ذلك المنخفض لكنه يقوم مسرعا فيهربون من أمامه ضاحكين ويسقطون على الرمال التي تنطبع على أجسادهم المبتلة بالماء فيخافون النزول ثانية لأنها دفئت أجسادهم الغضة الخالية من الشعر .. الصيف ذلك الهدوء والجمود ، أسلاك أعمدة الكهرباء خالية من العصافير والشوارع يغمرها الجفاف وأشعة الشمس تعكس من بعيد لمعانا كاذبا فكأنه نهر يرتجف ماؤه على الإسفلت وبين لحظة وأخرى قد تمر سيارة سرعان ما ينحني صوتها فتعتقد إنها وهم كالسراب الذي في الشارع وربما تجد كلبا يسير ثم يقف متلفتا يتثاقل وبتمدد غير آبه لشيء .. تعب يتشرب كل شئ ، تعب يوحي بحزن لذيذ وفراغ كبير كأن الحرارة قد امتصته ليشل المرء عن أي رغبة بالاستمرار .. أعاد يده مجددا بين ساقيه متلمسا الدفيء .. عوى كلب .. (يجب أن أنام ، سأستيقظ مبكرا) تقلب على يمناه .. اغمض عينيه ، داخله ارتياح وزحف كسل خفيف إلى جفنيه ، استسلم محاولا الدخول إلى نفسه .. مرت فترة .. (لست سعيدة معه) . أو تتصورين أن بإمكاني خلقها لك .. فقربت جسمها الناعم والبض مني . نعم .. نعم .. اتجهت شفتاها نحوي بينما يدي أخذت تتحسس جسدها ، احتضنتني وشفتاها تدوران بين فمي ورقبتي مع انفاسها الدافئة الندية .. عوى كلب .. وشعرت بذوبان .. وانتابني خدر لذيذ .. انتبه إلا انه لم ينم بعد فحنق كثيرا وعاد إلى وضعه السابق .. التقت عيناه بالحذاء النسوي مجددا .. فجأة صدع رأسه هاجس خفي غريب اشرأبت حواسه له (لم لا يكون الشيطان) كانت أمه تؤكد إن الإنسان إذا ابتعد عن الله فسيتلقفه الشيطان .. (اهو الذي اطار النوم من عيني ) حاصره رعب واشمئزاز من نفسه .. دارت عيناه بتساؤل في الغرفة ، نظر إلى السقف .. (حسن لا شئ) تعود أن يجلب انتباهه الحذاء النسوي بعد ذلك يأتي إلى الطائر الميت ثم إلى هذا الشكل الذي لا يستطيع فهمه أول الأمر ثم يبدو له بعد ذلك كطفل ذي شارب .. تقلب على يسراه (يجب أن أنام) اغمض عينيه .. (لن افتحهما) صاح ديك عن بعد .. تجاوب آخر بأقوى وهكذا (من الذي بدأ أو ربما يكون من الجنة كما تقول أمي) اخرج الساعة من تحت الوسادة .. دغدغ أذنيه صوتها .. تك .. تك .. تك ولمعت أرقامها الفوسفورية (الخامسة إلا ربعا . لم يبقى شئ ويأتي صوت أمي) ..لكن نعاسا خفيفا تمطى في عينيه فغشيه تبلد وعدم رغبة في مغادرة الفراش .. لما لا انهض في العاشرة .. جميل .. (يوم واحد لا يؤثر وليذهب المدير إلى الشيطان) تقلب على يمناه .. أرخى لنعاسه العنان وتدريجيا غادرت الرؤية عينيه .. رأى نفسه طفلا في غرفة وبيده دمية على هيئة دب صغير ذي فرو أملس يناغيه ويرميه أعلى ثم يتلقفه ويتدحرج معه ويمرره على خده فيشعر بنعومة لذيذة وفجأة يكبر الدب حتى يصل حجما كبيرا وتظهر له أنياب مرعبة فيتجه نحو الباب محاولا الخروج لكن الدب يناديه (غازي .. غازي ويفيض ضباب ابيض حوله فتتبدد الصور لكن الصوت يستمر في مناداته ويفتح عينيه فيتبين صوت أمه .. غازي .. غازي . أدار ناظريه في الغرفة والتقزز والقرف يملئه .. الضوء فضح ما فيها .. دخلت انفه رائحة بدلة العمل وهو يرتديها .. فتح الباب واجهه هواء بارد ونقي مشبع بالندى فأحس برائحة غرفته الكريهة .. بصق في الهواء فارتفعت البصقة ثم سقطت على الأرض .. (ما أضيق هذا العالم.. انه ضيق ومضغوط ككرة مثقوبة .. لا يهم سأعود إليك يا غرفتي) .

 

الرئيسية
Free Web Hosting