القِران العاشر (موقع الكاتب حسين رحيم)
صمت الدم
وصلت مدينتي فجرا ونداوته تمسد وجهي .. اوصلني سائق التكسي الى شارع قريب من بيتنا.
وقفت وانا اشيع سيارة التكسي التي كانت تبتعد بسرعة .. لقد تركني وحيدا . علي
الوصول الى البيت وتحاشي سؤال الاخرين
. فلغة الاشارات التي علي اتقانها
من الان هي ما سيخلق تواصلي مع الاخرين
وذلك بعد خروجي من المستشفى العسكري التي اوتني شهرا واخرجت لعدم فائدة العلاج . وهكذا سيكون علي لزاما العيش ماتبقى من عمري في صمت تام وهذا سبب كاف لاخراجي
من الجيش ، كيف سيكون وقع ما حصل لي على امي واختي ، عائلتي الوحيدة .. سيحزنهما ذلك لكن في النهاية
سيقتنعان بالادنى وهو وجودي الصامت بينهم ... كانت ايامي الاولى في بيتي الذي شهد
طفولتي وصباي ثقيلة وذلك من خلال استيقاظي ليلا وصرخات الخوف من الهجوم والتحصن في الخنادق الشقية ثم افتح عيناي مفزوعا فأرى امي تنظر الي محزونة وهي تتلو الادعية والصلوات .. وشقيقتي تقف بالباب وهي تبكي ، لكن
الليالي تمضي ويخف الخوف الليلي والفزع وذلك بأمرة
الماحي الكبير .. الزمن .. كنت اجلس وقتا طويلا وانا
مكبل بصمت لا ينتهي .. لقد عزلت عن سماع العالم وعزل العالم عن صوتي فبقيت لغة
الاتصال الوحيدة يدي وعيناي ، ودفتر صغير ادون فيه ما اريد التحدث به لاختي وتجيبني هي كتابة .. بزمن قصير امتلأ الدفتر بحواراتي
مع اختي فاصبح اشبه بمسرحية بطلها شخصين .. في البداية تضمن طلبات معينة كالاكل والشرب والحمام والملابس ثم تعمق قليلا نحو المشاعر والاحاسيس والاراء فاصبح بمثابة عين ثالثة ترسم وتصفع لها معاني الاصوات وتلونها فاصبح لها حجوم واشكال غير ماكنت اعرفها قبل ان يلفني الصم
والبكم .. فاسألها :-
-
اشتقت الى زقزقات العصافير ، وتجيبني
-
انظر اليها واسمع
صوتها من ذاكرتك
حبست في البيت اختيارا بعد
يقيني التام بان لقائي بالناس بايما صورة هو امر سخيف واقتحام لا مبرر له لوحدتي لانهم
لم يفهمو ابدا لذلك نظمت
وجودي في البيت ، قراءات مبتسرة لاي كتاب او مجلة وتصليح لاي شيء معطوب .
عند المساء اكون في غرفة ابي
، متأملا صورته.. ادقق في تعابيره الحالمة .. واحاوره باسئلة واجوبة مفترضة هي استكمال لحوارات سابقة بيني وبينه عن الوطن
والوطنية والبطولة ، كان حديثه صافيا كدموع الاطفال
ويدخل روحي بسرعة لذلك تلبستني وطنيته فتطوعت حال انتهائي من الدراسة الاعدادية بصفة ضابط وكان الفخر في عينيه واضحا وهو ينظر الى النجمتين الذهبيتين على كتفي ، لكنه مات قبل الحرب التي
دخلتها آمراً لاحدى السرايا مكافاة
على تخرجي بامتياز .. كنت اتخيل روحه تراقبني من العالم
الاخر ها هو ابني الذي أريد ، واعرف .. هكذا ياتيني صوته يهس هسيس الارواح الخجولة كلما وقفت
استعرض مقاتلي سريتي الذين دخلت معهم صولات المعارك والقتال البطولي وحصلت على اكثر من نوط شجاعة ووسام لمطاولتي في المعارك وقدرتي على
المواجهة وكان مرد ذلك ان ما افعله هو ايماني باني اخوض حربا حقيقية
ووطنية وكل ذلك قبل ان يصلني ذلك اليوم المر من ايام الحرب ويحدث ما يحدث ويغادر تاركا اياي
مشطورا الى نصفين نصف يعرف واخر
لا فكنت ليلا اخاطبه وهو يخاطب نصفي العارف
-
ان الاقدار العظمية حين تقتحم مضاجع الشعوب والامم
لاتترك لها فسحة التامل في
كم الخير او الشر الموجود فيها
لذلك ستندلع اكثر من قيامة وينصب اكثر من جحيم
وقوده الابرياء والمستضعفين ، سيبرز ابطال كذابون يقفون باْباء وشموخ
على منصة الحرب تستعرض صدورهم نياشين وانواط الدم الذي
استبيح بسببهم .. لذلك عليك الانتصار على المك والعمل
على عدم تكرار هذا .
اما نهاراً فكان
يخاطب نصفي الذي ياْبى المعرفة وذلك بصوت جهوري ومؤثر .
-لاتكن جباناً .. اخرج الى العالم .. لست اول من اصيب بهاتين العاهتين انهما شرف
ووسام لك تحمله اينما تسير
.. واجه الاخرين ، اعمل .. فانت
تحمل شرف دفاعك عن وطنك وعن المثل والقيم العليا .. فكر هكذا .. سواء شئت ذلك ام ابيت .
هكذا
استمرت حواراتي الليلية والنهارية معه .. اجلس قبالة صورته وابدأ بالحديث اليه ولم اعد اجد صعوبة في استخراج
حواراته معي من 000 بل اصبحت تأتي الي
دون جهد مني لدرجة قررت ان انقل صورته لغرفتي وعلقته
على الجدار امام سريري 0 بأقي
الاوقات تكون شقيقتي هي من يترجم لي اصوات العالم 00 كنت انتظرها بفارغ الصبر عند غودتها من مدرستها لنبدأ حواراتنا في ذلك الدفتر وعلى الرغم
من نرفزتي السريعة فقد كانت تحافظ دوماً على برودة اعصابها امامي ، في يوم تأخرت
سألتها كتبت الاجابة .
-زرت بيت
صديقتي، ولفقداني حاستي السمع والنطق الفجائي عندي فقد قويت حاسة الاستبصار وكشف
النفوس عندي لذلك عرفت انها تكذب كان التاخير يحدث ، مرة في الاسبوع ،
يوم الخميس على الارجح ، بعدها بدات
تفوح منها رائحة عطر رجالي مثير .. وكانت هناك بعض الحلي الثمينة في يدها.. كل هذا
وامي لم تلاحظ شيئا او
تغافلت عما تراه لانها وصلت الى
السن التي تجعلها ان تاخذ الامور كما الت اليها ، في تلك الليلة وانا احاوره .. فاجأني بالقول :
- انتبه لأختك
، عند الصباح خرجت خلفها تقودني عيناي الباحثين بقلق عن شيء لا احبه ولا اريده لكن عند … المساء
عدت وانا مكدود ومنهك وكأن أحدهم قد غرز خنجرا بين اضلعي .. كنت خائفا مما رايت وانا احاول تكذيبهم بشتى الوسائل
والحجج التي اختلقها .. لكنه كان اصدق من تهويماتي بعدها لم استطع النظر في وجهها
رغم محاولاتها المستميته لسحبي إلى الحديث معها .
واخمن انها حدست مابي
فبدات تتحاشاني ، لكنه ذلك الاحساس
بالاستغفال ومن ثم الغثيان والتقيؤ .. احساس واستشعار
لها وهي جالسة معه وثالثهما شيطان الشهوة والتدنيس في سيارته وهي تنطلق من امامي بسرعة شديدة .. هاهي جالسة امامي
متحشمة بالبراءة .. ماذا افعل ياقدري
.. أ أقتلها.. وهل استطيع فهي نافذتي الوحيدة الى
العالم . فبدونها لااستطيع الاطلال
على شيء ولا اريد ، فلقد خلقت لي البصيرة التي تذوقت الاصوات من خلالها ونطقت باصابعي .
وكان لابي
راى ان اقتلها .. او الرحيل عنهما . وهما هزيمتان بوجهين وجه العارف ووجه اللا.. ماذا افعل هل اخبر امي ..
حتما لن تصدقني .. ثم كيف استطيع اخبار امي بدونها .. اهملت نفسي .. تركت
صورة ابي ومحاورتي معه .. بدات
النحافة تغزو جسدي بسبب امتناعي اغلب الاوقات عن الاكل وكانت امي تنظر الي بعينين دامعتين وهي جالسة وصامته وجاءت تلك الليلة وذلك
بعد مجموعة من الليالي الحبلى بالغضب والمرارة .. عندما اتجهت الى
سرير اختي وجدته فارغا .. خرجت سريعا الى غرفتي ، جلست قبالة صورته .. كان صوته يطرق سمعي :-
- اقتلها ... اقتلها واغسل عارك .
من بعيد كانت اصوات القنابل والرشاشات والطائرات والدبابات تمزق استار الصمت التي ابعدت اذني عني لكنني وبكل الحنق المحتمل في قلبي والغضب الصامت منذ
سنوات الحرب صرخت بذلك العنفوان الذي امتصه زمن الحرب بايامه
وساعاته :-
- كفى .. كفى ايها الاب
.. ما الذي فعلته بك كي توصلني الى هذا الامر... تصنع حروبي وترسم خياناتي وتحدد لي مديات شرفي وانت قابع في برج
كبرياءك الزائف لاكتشف في وانا في منتصف بركان حربك انها نزوة غضب دفعتنا وقودا لها ... وكان ينظر بأباء كعادته وعلى كتفه تلمع نجمتان وبزه الخاكي
حينما ضربت الصورة بقوة ووجهتها نحو صدري وضغطت بكل قوة تلك الليالي التي قضيتها
بلا قرار وبكل ذلك العفاف الغاسل بجسد شقيقتي فاندفع رأس الزجاج المدبب بين اضلعي نحو قلبي وانا لا احس بأي الم او ندم .
12/اذار/1992